ابن عربي

277

مجموعه رسائل ابن عربي

معدنها ، ودبرها لغير موطنها سقط في يديه ، وحار « 1 » وباله عليه ، وكانت صفقته خاسرة ، وتجارته بائرة ، فإن كنت إلى تدبير هذه الصنعة « 2 » وايجاد هذه الحكمة بالأشواق ، فانزل عن هذه الأطباق ، وسل عن الجبل المعروف ، فستجد مطلبك في الحروف . فنزلت في طلب ما عنه سألت ، فوفق لي روحانية متجسدة ، في محرابها متعبدة ، تقطع الليل ساجدة وقائمة ، ولباب ربها لازمة ، فلما سلمت من صلاتها ، وفرغت من دعواتها ، كوشفت بغرضي ، فأخذت في إزالة مرضي ، وقالت أنا على علم : ما سلب العقول فقدانه ، وعسير على أهل الطلب والذكاء وجدانه ، وعشقهم في هذا الأمر حيرهم فيه ، فصرفهم عنه وأعماهم ، فلو صحوا وآثروا الزهد فيه ، لحصل لهم ( لوقوفهم على ما هم فيه ) « 3 » وما هم ؟ وأنا أريد أن أودعك إيّاه ، وأنزهك في محياه ، وأعرفك : لمعناه ، وأتحفك بسر معناه ، وأفرق لك بين حكمته ( في مماته ، وبين حكمته في محياه ) « 4 » فانتهض معي بلا حول ولا قوة إلّا باللّه ، فرحل إلى خط الاستواء فإذا بالجبل المذكور يعانق عنان السماء ، فنزل إليه شخص من سراة الأرواح ، في نسيم الأرواح : لطيف الإشارة ، فصيح العبارة فقال : مرحبا وأهلا ، وسعة وسهلا ، فقال الشيخ : هذا الغلام قد أنزلته عليك ، وسلمته إليك : له همة في طلب الحكمة ، وتشوف إلى معدن الرحمة ، فسلمني إليه ، ووقف وقبلني الآخر ولم يتوقف ، وسرت معه وانصرف إلى أن أدخلنا على الملك ، فقبلت يمين بساطه . وأنبسط ، فسررت بانبساطه ، وعرف مقصدي فأخذ فيه بيدي ، وأشار إلي بعض وزعته ، وقال : سر به في ملكي ، ثم مكنه من حاجتي ، فأخذني المملوك ، وكان من أحسن المماليك ، فاخترق بي جميع المسالك ، فرأيت ملكا عظيما ، وسلطانا جسيما ، بديع الترتيب والنظم ، رفيع الكيف موزون الكم ، ما من مسلك فيه إلّا عليه

--> ( 1 ) في المطبوعة : « وعاد » . ( 2 ) في المطبوعة : « هذه الصيغة » . ( 3 ) في المطبوعة : « لحصل لهم توقوفهم على ما هم فيه » ، والمعنى أنهم لو أستيقظوا وفطنوا ، وزهدوا فيما يريدون : « لأتاهم » واللام في قوله « لوقوفهم » لام السببية ، والمعنى لمغناه : يعني لأجزائه ، واللام في « لمغناه » بمعنى الباء ، وحروف الجر ينوب بعضها عن بعض في كثير من الأوقات . ( 4 ) في المطبوعة : « وحكمته في محياه » .